أحمد بن يحيى العمري
327
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وكان له ملك يقوم بمصالحه ، ولم يتناول من الجهات درهما ، ولا طلب جهة مع كمال أهليته ، ثم ولي مشيخة الإقراء بتربة أم الملك الصالح « 1 » بعد التونسي لكونه أقرأ من وجد بدمشق من المتصدرين ، وكذلك ولي إمامة مسجد أبي الدرداء بقلعة دمشق ، ثم تركها ، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالشام . وتوفي في ذي الحجة سنة ثلاث ، وأربعين ، وسبعمائة . وهذا آخر من كان يعد في فنه واحدا في الزمان ، وفردا لا يلز « 2 » بثان ، فلما قرّ القبر بإيابه ، ونفضت الأيدي من ترابه تساوت بعده الأنظار ، وتواست « 3 » لواحد في عدم الإقرار على أن في الأيام منهم شموسا لوامع ، وفي الليالي بدورا طوالع ، إلا أنه لم ينبغ منهم في هذا الفن متفردا ( ص 134 ) به واحد ، ولا قنع به دون ضم أطراف العلوم الشوارد ، بل ما في جلة الوقت ممن أتقن القراءات إلا من جعلها تماما لحليه « 4 » من غير نقيصة ، ومشاركة في عموم معارفه ، لا خصيصة ، قلما من تمخض للقراءات ، فما منهم رأس ارتفع ، ولا واحد عليه مجتمع ، وكان موته إذ حمل على أعناق الرجال ، وقدم له النعش للارتحال ، كما زعم الأول وقال :
--> ( 1 ) تقع غربي الطيبة والجوهرية الحنفية ، وقبلي الشامية الجوانية إلى الشرق . قال بدران : وقد وقفت على محل رسومها فخفيت . أوقفها الملك الصالح أبو الحسن إسماعيل بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر المتوفى سنة ( 648 ه ) انظر منادمة الأطلال / 110 . ( 2 ) أي لا يلصق بثان . المكنز الكبير ( 331 ) ومقصوده لا يقارن بغيره . ( 3 ) الأسا : المداواة ، والعلاج ، وهو الحزن - أيضا - والآسي المداوي ، وتواسوا بمعنى تعزوا . اللسان 1 / 63 - 64 . ( 4 ) الحلي : كل حلية حليت بها امرأة ، أو سيفا ونحوه ، والجمع حلي قال تعالى مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً . . والحلي : حلي المرأة ، وجمعه حلي مثل ثدي وثدي ، وقد تكسر الحاء مثل عصي ، وحلية : اسم لكل ما يتزين به من مصاغ الذهب والفضة . اللسان 1 / 711 .